مع أول القرن الثامن الميلادي جاء العرب إلى الأندلس، ومع نهاية القرن العاشر أصبح بهم دولة مرهوبة الجانب، مركزية السلطة، يسودها الأمن، وتفيض بالخير: الحقول خضراء زاهية، والبيوت أنيقة مريحة، والحمامات كثيرة ونظيفة، وأنظمة الري دقيقة ومحكمة، والأقوات موفورة بأرخص الأسعار، ويتحرك الناس في صحة بادية وملابس نظيفة، وانكمش الفقر أو تلاشى.
وقد صنع هذا المجد عربيان عظيمان، كان الأول خليفة، وهو عبد الرحمن الناصر، وكان الثاني حاجبا أو رئيسا للوزراء فى لغتنا المعاصرة، وهو المنصور بن أبي عامر، وكما تكون إنجازات العباقرة عظيمة تجيء أخطاؤهم من المستوى نفسه.
كان الخطأ الذي وقع فيه الاثنان- والتبعة على الأول- أكثر، لأنه الذي بدأ، والثاني سار على طريقه- أنهما لكي ينفردا بالأمر، ويتمكنا من السلطة، أتيا على النفوذ العربي تماما، استغنيا عن أبناء البيوتات، وأذلا كبار الرجال فيها، واستعاضا عنهم بولا الرقيق من الصقالبة، والنازحين من الأفارقة، وأولئك ولاؤهم مأجور، وهؤلاء إحساسهم بالوطن واهن، ولم يكن للقاعدة العريضة من الجماهير دور طليعي، بل مجرد مادة مهيأة للثورة، حين يبلغ السوء مبلغه، وتنحدر الحال إلى قدر لا يحتمل، ويجيء الزعيم المنتظر ليقودها، في الحال تلبي نداءه، وتصطف وراءه، وتمضي معه بلا تردد إلى نهاية الطريق، دون أن تعرف بدءا ماذا يريد.
حين توفي المنصور بن أبى عامر خلفه ابنه من بعده، وكان دون أبيه قدرة وموهبة، ولم يبق غير سنوات ثم لحق به، وكانت هذه السنوات القليلة كافية لكي يتجمع كل أولئك الذين يريدون أن ينقضوا على السلطة، يريدونها لهم، أو لأناس يرضون عنهم، وتحول الأمر إلى فوضى، وكل الذين في الأندلس بدأوا يتقاتلون لغير سبب، أو لسبب مفرط في الأنانية، يهجمون ويرتدون، وخلال التقدم والانسحاب يدمرون وينهبون، حتى عاد كل شيء أسود قاتما في العين وفي الأمل، وخرائب وأنقاضا في الواقع وفي الحياة، وماتت الضمائر في النفوس، وانحلت عقدة الولاء للجماعة، واستبيحت كل الحرمات، وانقض كل خوّان على جانب من الدولة، وأعلن نفسه أميرا، ووسط هذه المصائب برزت طائفتان- إن كان مثل هذا يعد تميزا- جماعة من الفقهاء، وللحق والتاريخ ليسوا كلهم، يقدمون لكل حدث فتوى ولكل جريمة مبررا، وفي خدمة الأقوى دائما، وطوائف من الشعراء، وكانوا صحفيي ذلك الأمس البعيد، يتغنون بمن يدفع أكثر، ولمن يقدم لهم رفاهية أعظم، وتحول الفن الجميل والنبيل على أيديهم إلى سلعة تباع وتشترى، وغرقوا في الأنانية فأخذوا يدورون حول أنفسهم غزلا وخمرا ومديحا، وفي جو كهذا أمسك الخيّرون بأنفسهم، وتواروا خجلا، أو هاجروا إلى أرض بعيدة، أو دفعوا الثمن معاناة وسجنا وقتلا.
واهتزت السلطة المركزية، وتهاوت الخلافة وسطا على أمجادها جماعة من السفهاء، وقام على أنقاضها قرابة ثلاثين من الأمراء، يتقاتلون طمعا، ويتدافعون حول أشبار، ويعلنون الحرب من أجل أمتار، ويدفعون كلهم الجزية للعدو المسيحي الرابض على الحدود في الشمال وهم صغار، ولم يكن بأقوى منهم لو اتحدوا.
وقد ورثوا في كل مكان ذهبوا إليه أمجاد الأمس الباذخة، ولم يضيفوا إليها جديدا، ومضوا يبعثرونها بلا حساب، شأن السفيه حين يتلقى ثروة لم يبذل فيها جهدا، ولا كلفته مشقة، وتحول الأندلس على امتداده العريض إلى مجتمع مستهلك، ينفق في بذخ دون أن ينتج شيئا، أو شيئا قليلا لا أهمية له.