طوال أيام "الفتنة"، وعلى امتداد عصر الطوائف، كانت الاستعانة بالأعداء من نصارى الشمال شيئا مألوفا، وكان هؤلاء يقاتلون إلى جانب كل المتصارعين، ويذكون بينهم روح العداوة والبغضاء، فهم هنا أو هناك إنما يقتلون أعداءهم على المدى البعيد، ويقبضون ثمن ذلك ذهبا وفضة نقدا، وسلاحا وملابس ومواشي وأغذية وخيلا وبغالا تساق إليهم عينا، وقبل ذلك كله حصونا وقلاعا يتنازل عنها الأمراء المسلمون لصالحهم، فيحتلونها بلا قتال، ويستولون على ما حولها من أراض دون أن يرسلوا سهما أو يخسروا جنديا واحدا.
في بداية عصر الفتنة كان في قرطبة العاصمة أكثر من فرد يتنازعون على الخلافة، ووراء كل واحد جموع جائعة، وأجانب مفسدون، وغوغاء مخربون، يلتفون حوله، و يغذون أطماعه. وبينما واضح الصقلبي يتولى الحجابة بعد مصرع الخليفة المهدي في ظل الخليفة هشام المؤيد، وكان محاصرا وضعيفا، ويطمح أن يصبح ما كانه المنصور بن أبي عامر من قبل، كان سليمان المستعين- مطالب آخر بالخلافة- يطلب عون ملك قشتالة، ويعده بأن يتنازل له عن عدد من القلاع والحصون تقع على الحدود بين الدولتين، واستولى عليها المنصور من قبل تأمينا لحدود الدولة، فوجد الكونت القشتالي الفرصة مواتية لتوسيع رقعة مملكته دون حاجة إلى القيام بحملة حربية ضد الأندلس، فأرسل إلى واضح يعلمه بعرض سليمان المستعين، ويطلب إليه أن يتنازل له عن هذه الحصون والقلاع لأنها في قبضته، وإلا فسوف يساعد المستعين وأنصاره البربر.
لم يجرؤ واضح على اتخاذ القرار وحده، فدعا قاضي الجماعة والفقهاء والعدول، وأبلغهم رسالة شانجة كونت قشتالة، وطلب منهم الرأي، فأخرس الخوف من البربر والقشتاليين الإحساس بالشرف القومي في أعماق هؤلاء السادة، وكان رأيهم أن يستجيب لمطالب النصراني.
وفي شهر سبتمبر من عام 1010م، وقع واضح معاهدة مع شانجة تنازل له فيها عن أكثر من مائتي حصن وقلعة، واتخذ بقية الأعداء من نصارى الشمال من الحادث مثلا يحتذى، وأصبحوا بشيء من التهديد والصخب يستطيعون أن يأخذوا ما يريدون من حصون وقواعد، ولم يجرؤ أحد على أن يرفض لهم طلبا، وكان على القرطبيين، وقد وقعوا في قبضة حكام ضعاف مستبدين، أن يحنوا رءوسهم أمام أعداء دينهم، وأن يعانوا من نزوات حكامهم، وأن يتعرضوا للنهب والمظالم، وأن يتحملوا كل النتائج التي تعرض للشعوب حين تذهب للثورة، وتلقي بنفسها في أتون الفتن، دون أن يكون على رأسها قائد عظيم محنك، ووراءها هدف واضح محدد، ودون أن تدفعها أفكار سامية عظيمة.
وعلى أنقاض الخلافة قام عصر الطوائف وبلغ الغاية في الشر والخير على السواء، ومع التفرقة ضاعت القوة الواحدة الموجهة للسياسة الأندلسية العامة، واختفى المثل الأندلسي الأعلى، وظهر اليهود على المسرح السياسي، ومكنوا لأنفسهم في إمارة غرناطة زمنا، وتغيرت الأمور حول الأندلس تغيرا حاسما، فقد استيقظت إسبانيا النصرانية ومدت يدها إلى أوربا، ونظم أهل المغرب أمورهم وأقاموا دولة المرابطين القوية، وبين النصارى في الشمال والمغاربة في الجنوب، وقف ملوك الطوائف، وقد وهن أمرهم، وأضعفهم الترف والبذخ، لا يكاد سلطان أحد منهم يتخطى حدود مدينته، وسادت العصر كله روح من البذخ المسرف، والإجرام السافر الذي لا يتورع عن شيء من المطامع والغزوات إلى الخناجر والسموم.
وبين صخب الحياة اللاهية، وعربدة اللحظات الماجنة، وغيبة الوعي بالغد والمصير، استيقظ الأندلس كله على كبرى القوارع.