سقوط طليطلة
قدر لها أن تكون أولى المدن الكبرى الذاهبة، ورغم أنها لم تسقط في حرب، ولم يخسرها المسلمون في قتال، بل ذهبت نتيجة خدعة ماكرة من ألفونسو السادس، واستسلام مهين من القادر يحيى بن ذي النون أمير المدينة، كانت الضربة القاصمة التي شالت بعدها كفة المسلمين ورجح جانب الكاثوليك، وكانت محنة حقيقية لما تمثله طليطلة من ثقل في حياة الأندلس السياسية والحربية والشعورية، فقد كانت عاصمة إسبانيا على أيام القوط، وأحيط فتحها على يد طارق ابن زياد بأساطير جميلة، ذات خيال ممتع، عما لقي فيها من كنوز وثروات وسلاح، ولم تفقد أهميتها حتى بعد أن أصبحت العاصمة قرطبة.
في البدء آلى ألفونسو على نفسه أن يحافظ على حياة مسلمي طليطلة، وحياة نسائهم وأطفالهم، وألا يلحق ضررا بأملاكهم، وتعهد بأن يسمح لمن يريد أن يخرج بالخروج، ولمن يريد البقاء أن يبقى، ولا يطلب من هذا إلا أن يدفع ضريبة الرأس، ومن يهاجر يمكنه أن يعود فى الحال، ويسترد أملاكه مهما عظمت قيمتها دون معارضة، وأجاب أهل طليطلة إلى كل الضمانات التي طلبوها فيما يتصل بحرية ممارسة شعائرهم الدينية، والحفاظ على جامعهم الكبير.
غير أن الكاثوليك مالبثوا أن تنكروا لعهودهم، ونقضوا المعاهدة لأسابيع من دخولهم طليطلة (6 من مايو سنة 1085 م)، فحولوا المسجد إلى كنيسة في يوليه من العام نفسه، وحيل بين المهاجرين والعودة إلى ديارهم، وضيق على المسلمين في أداء شعائرهم أولا، ثم أكرهوا على اعتناق الكاثوليكية فيما بعد، حين أزفت شمس الإسلام الأندلسي على المغيب.
ولم يجد المعتمد بن عباد بداً، وقد رأى الخطر الأجنبي ماثلا، أن يستعين بدولة المرابطين القوية في المغرب، وعندما حذره ابنه الرشيد من أن المرابطين إذا جاءوا قد لا يذهبون، كانت جملته التي لصقت في ذاكرة التاريخ حتى يومنا: "لأن أرعى الجمال في الصحراء خير من أن أرعى الخنازير في قشتالة". وقد استجاب المرابطون لدعوته، كان انتصار المسلمين باهرا في معركة الزلاقة، وجاءت بعد سقوط طليطلة بعام واحد، وقاتل المعتمد في بسالة نادرة، وصبر في المعركة صبرا لم يعهد مثله لأحد، وألقى عليه ملك قشتالة بثقل جيشه كله، لأنه رآه وراء هذه الحرب، واشتد عليه ومن معه البلاء، وأثخن جراحا، وضرب على رأسه ضربة فلقت هامته حتى وصلت إلى صدغه، وعقرت تحته ثلاثة أفراس، كلما هلك واحد قدم له آخر، وظل يقاسي حياض الموت، ويضرب يمينا وشمالا، وحين أطبقت جيوش المسلمين على جيش ألفونسو وأصحابه ونصرائه من كل بقية دول أوربا، وصدقوا الحملة عليهم، ولوا ظهورهم، وأعطوا أعناقهم، والسيوف تصفعهم، والرماح تطعنهم، وتفرق جيش ألفونسو شذر مذر، وغطت جثث جنوده ساحة المعركة، فلا يستطيع المرء أن يتحرك خلالها إلا على الجثث خوضا في الدماء.
ومع ذلك ارتكب المسلمون خطأ قاتلا، فقد قنعوا بالنصر في المعركة، ولم يتابعوا العدو في ارتداده، ولم يحرروا حتى طليطلة نفسها، ومن أجلها عبرت قوات المرابطين إلى الأندلس، مما أتاح الفرصة لألفونسو لكي يضمد جراحه، ويستجمع قواه، وتظل دولته شوكة في ظهر المسلمين طوال حياته وحياة خلفائه من بعده.
لكن أمير المرابطين يوسف بن تاشفين قرر، لأسباب سياسية ارتآها، وليس هنا موضع مناقشتها، أن يزيح أمراء الطوائف جميعا عن عروشهم، وبذلك تحول الأندلس إلى مقاطعة في إمبراطورية المرابطين، ثم الموحدين من بعدهم، وهي فترة بدأت مع آخر القرن الحادي عشر الميلادي واستمرت حتى الربع الأول من القرن الثالث عشر.
فهل لنــــــــــا مـــــــــــن تاشفيـــــــــــــن أخــــــــــــــــــــر ؟؟؟؟