ورغم إحساس الأندلسيين القوي بأن حكامهم أجانب عنهم، ودونهم حضارة ورقيا وثقافة، كان عزاؤهم الوحيد على الدوام مقولة المعتمد التي ألمحنا إليها: لأن يخضعوا لإخوانهم في الدين خير من أن يقعوا في أنياب حكم أجنبي جائر لقوم كافرين، لا يرعون فيهم إلاً ولا ذمة، وظل رضاهم عن الموحدين ما بقي هؤلاء يدفعون عنهم عدوان النصارى في الشمال، حتى كانت وقيعة العقاب، وكانت بين الموحدين ومعهم الأندلسيون من جانب، والجيوش الكاثوليكية مجتمعة من جانب آخر، تضم ملوك قشتالة وليون ونبرة وأرغون وتساعدهم قوات أجنبية، ومن ورائهم البابا يخطط ويمنح البركات للجنود الذاهبين للميدان، ويمنح القتلى منهم قصورا في الجنة بلا حساب.
وهي معركة خسرها المسلمون، وحصد الموت أبرياء المقاتلين والمتطوعة، وبلغ الشهداء عددا لم تعرفه أية معركة أخرى في تاريخ الإسلام، حتى أن السائر في ريف المغرب - كما يقول ابن أبي زرع المؤرخ - كان يقطع المسافات الطويلة دون أن يرى رجلا، لأن زهرة الرجال ذهبت صرعى ذلك اليوم الأسيف.
وعندما يعجز أي نظام عن حماية حدوده فإن ذلك بداية النهاية، وقد ولدت هذه الهزيمة إحساسا عميقا لدى الأندلسيين بأن الموحدين أصبحوا عاجزين عن حماية الحدود الأندلسية في مواجهتهم اليومية مع نصارى الشمال، وقد مات الخليفة الموحدي غما بعد المعركة بقليل، وبدأت فترة من الفوضى، وظهرت طوائف تقاوم حكم الموحدين وتثور عليه، ويتقاتلون فيما بينهم أيضا، وبدأ المتنافسون يستعينون بملوك الشمال من النصارى، كما صنع أسلافهم ملوك الطوائف من قبل، دون أن يتعظوا والفارق أن ملوك النصارى في الشمال أصبحوا في القرن الثالث عشر أعز سلطانا وأقوى جيوشا، وأوسع أرضا، وبدأوا يتخطفون المدن الأندلسية واحدة وراء أخرى، انهارت الجبهة الشرقية فسقطت بلنسية، ومرسية، وجيان، وشاطبة وفي الوسط سقطت قرطبة عاصمة الخلافة من قبل، وإشبيلية بعدها، ولم يأت منتصف القرن الثالث عشر الميلادي حتى كانت معظم بسائط الأندلس وقواعده المهمة قد سقطت في قبضة الدولة الكاثوليكية خلال ظروف دامية من المحن والاختلافات والفوضى والشقاء، وانكمشت رقعة الإسلام في الأندلس.