كان الإحباط الذي أصاب المسلمين في هذه الفترة مرا، فقد رأوا العديد من القلاع الإسلامية تنتقل إلى قشتاله المسيحية، ورأوا كيف خربت هذه أراضيهم وحقولهم وبساتينهم، وأدركوا أن عليهم، إذا أرادوا الحياة، أن يدافعوا بأنفسهم عن وطنهم وأراضيهم وأعراضهم، ومن هنا تفجرت الثورات في كل مكان، ثم تركزت حول شخصيتين: ابن هود وابن الأحمر.
في البدء كانت الأحداث إلى جانب الأول منهما، فانضمت إليه أغلب المدن الباقية في قبضة المسلمين، وطمح أن يستقل بالأندلس تحت راية الخليفة العباسي، واتخذ لنفسه لقب "المتوكل"، وقبله الأندلسيون كراهية في الموحدين لا حباً فيه، فلم يكن الرجل الذي يبحثون عنه، فقد تعاون منذ البدء مع أعدائهم، وكانوا ينفرون في أعماقهم من الحكام المسلمين الذين يتعاونون مع الكفار، ويستعينون بهم على بقية إخوانهم المسلمين، وبعد قليل اغتيل ابن هود في مدينة ألمرية لأسباب نسائية، فخلا الجو لابن الأحمر، فأسرع الناس إليه رغبة في الوحدة والأمان، وما إن استقر به الحال قليلا حتى عقد هدنة مع ملك قشتالة ثم معاهدة أصبح ابن الأحمر بمقتضاها رعية له، ويدفع له الجزية، وتنازل له عن قلعة جيان.
وبدأ التأثير القشتالي يجتاح المجتمع الإسلامي، في الملابس والجيش والسلاح وأنماط السلوك وحياة الناس، مما أزعج المواطنين، وطوى جوانحهم على غضب مكتوم، وتوزعهم القلق والاضطراب، وبدأت الخيانات تعمل عملها، وأخذ النصارى يغذون كل أسباب الفرقة والفساد. ولكن قوة الرأي العام التي تجمعت استطاعت أن تغير هذه السياسة، وأن تحمل الحكام على التخلى عن قشتالة المسيحية، والتوجه إلى المسلمين في المغرب والمشرق والاعتماد عليهم.
غير أن الأندلس كان قد بلغ المرحلة التي أشار إليها ابن خلدون وشهد الأحداث عن قرب، وهو ما يدعوه بوهن العصبية، أو إن شئت تدهور الولاء للجماعة، فقد شهد العصر ألوانا من التمزق والخيانة لا يعرف لها العالم الإسلامي مثيلا، فقد أصبح من المألوف أن يتآمر الأخ على أخيه، وأن يقتل الابن أباه لكي يخلفه في الحكم، وكلهم يلوذون بالعدو المسيحي، لاجئين حين يهزمون، ويطلبون عونه جيوشا وسلاحا وأموالا، وهو يرحب بهم، ويعينهم حين يكون ذلك في صالحه، ويسلمهم لأعدائهم حين يدفع له هؤلاء الأعداء الثمن، ومع الخيانة شاعت الرشاوى، وبدأ الأندلس يسلك طريقه نحو النهاية مهرولا، ويتلفت حوله فلا يجد من أحد عونا ولا نصيحة فالمغرب مشغول باضطراباته، ومصر متدهورة اقتصاديا، وعاجزة عن عون أحد، والأتراك أقوياء في الحرب، قصار النظر و السياسة، ومشغولون بحروبهم في البلقان، فلم يعيروا الأندلس أي انتباه، وفيما بعد سوف تجيء هزيمتهم القاصمة في معركة "لبانتي" على يد إسبانيا التى كانت يوما شعبا مسلما.