سمع محمد بن الغافل الأذان وهو يجتاز الأسوار، يسري في هداة الليل مختلطا بتأوهات الطيور. فيه شيء من الانكسار. الأسوار ترتعش ، والمدافع متأهبة. ورغم ذلك لم ير أحد الباب الصغير وهو يفتح وآخر ملوك غرناطة يخرج منه. كان ابن الغافل - عين عيون الملك - هو الذي يعرف سر وجود هذا الباب هو الذي يحمل حلقة مفاتيحه الصدئة.
كان الباب صغيراً حتى أن الملك وحاشيته اضطروا للترجل ومروا أولا ثم مرت الجياد خلفهم وعلى مدى الأفق كانت جيوش " قشتالة" التي حاصرت المدينة طويلا كتلة من الظلام الرمادي. كانوا معهم على نفس الأرض دون أسوار. توقف الملك أبو محمد الصغير وتوقف خلفه أمه وزوجته وهما تتبادلان نظرات الكراهية كأنما لم يكفهما ما حدث. التفت الملك إلى المدينة التي تخلى عنها وبدأ يبكي. كان نشيجه هو الصوت الوحيد الذي يخدش صمت الفجر المهيب. وقالت الأم في صوت حانق:
- ابك كالنساء، على ملك لم تصنه كالرجال.
وأحس أبن الغافل فجأة أنه يجب ألا أن يتبع هذا الملك. كانت المفاتيح في يده والمدينة خلف ظهره، ومهما فعلت بها المدافع الإيطالية فلن يتبع هذا الملك. ملك مهزوم، قاد المدينة إلى الموت ولم يكف عن البكاء عليها. استدار ابن الغافل بجواده. لم يلتفت خلفه، ولم يعرف إن كانوا قد فطنوا إلى تراجعه أم لا.
لم يعترض الباب الضيق على عودته ، واستقبلته غرناطة بنفس الصمت المرتجف. ترجل من على جواده ونزع خوذته وألقى سيفه. محا من على جسده كل شارات الملك السابقة ، وداعا يا بني الأحمر، هذه أيام الإسبان، ملوك قشتالة بسيوفهم وصلبانهم ، لن يفعل شيئا، كل ما في الأمر أنه لن يغادر غرناطة أبداً، ولن يوقن بشيء بعد اليوم.
الناس يخرجون من صلاة الفجر منكسي الرءوس، والقناديل داخل المساجد تشع مثل شموس صغيرة مختبئة. فكر أن يدخل ويؤدي هذه الصلاة الأخيرة يودع بها كل الأيام الماضية ولكنه لم يجرؤ على مواجهة القبلة والمحراب ونظرات الشيخ الزبيري. لم يكن أمامه إلا أن يذهب إلى منزله ويجلس منزويا في أحد الأركان حتى يتقرر مصيره في ضوء النهار.
وجاء الصباح يعري لحم المدينة الخانقة. فتحت غرناطة أبوابها ولم يكن أمامها إلا أن تفتحها. انهارت الأسوار التي صمدت على مدى 22 شهراً تحملت فيها الحصار والجوع ودوي المدافع. كانت المدافع الإيطالية الضخمة من طراز " لومباردو" قد جاءت عبر عشرات الطرق والجسور والموانع الجبلية. قادها المرتزقة من فرنسا وألمانيا وإسبانيا، وقام بتمويل رحلتها كل يهود أوربا. كانت غرناطة تبدو كأنها لن تسقط أبداً. تدفق إليها عشرات الآلاف من سكان الأندلس يحاولون إنقاذ آخر المدن من السقوط والتمسك بآخر أهداب الحلم، ولكن الحلم الأندلسي تحول إلى كابوس. عجزت مدافع المدينة التي جاءت من دمشق عن رد المهاجمين، كانت واسعة الفوهات، تتقيأ البارود أكثر مما تقذف به. كانت معركة غرناطة محسومة مهما طالت المدة، فقد تساقطت كل المدن الأخرى وكفت جيوش المغرب عن عبور "العدوة" وأصاب الصمم آذان مماليك مصر. وبدت غرناطة بعيدة كأنها لم تكن.
أصدرت مفاصل أبواب غرناطة وهي تفتح صوتا كالأنين، واندفع جنود قشتالة مثل الجراد. اقتحموا المدينة بدروعهم البراقة وأعلامهم الملونة ورائحتهم الثقيلة التي تشبه العطن. ثم اندفع القساوسة يرفعون الصلبان ويرددون الصلوات. ثم أقبلت الملكة إيزابيلا وبجوارها الملك فرناندو. كانت نحيفة وطويلة وشاحبة. عيناها لا تكفان عن الدوران في محجريهما، تحاولان تقدير قيمة الغنيمة التي حصلت عليها، والملك بجانبها ينؤ تحت ثقل الدروع التي يرتديها. أسد حبيس لن يرتاح حتى يفلت منها ويهدم المدينة على رءوس أهلها. التراتيل تعلو وشوارع المدينة خالية من سكانها. أغلقوا الأبواب وحاولوا ألا يروا وألا يسمعوا كأنهم ينفون عن أنفسهم وصمة السقوط. وصل الملك والملكة إلى قصر الحمراء. كان خاليا، فيه بهاء حزين. مازال يحمل شعار بني الأحمر الذين فروا هاربين "ولاغالب إلا الله..". كان القصر مغلوبا على أمره، وحمل القساوسة صليبا كبيراً من الفضة وصعدوا به إلى أعلى وثبتوه في مقدمة القصر حتى يراه أهل المدينة أجمعون، ويعلموا أن آخر الاحلام الأندلسية قد ماتت.