الفرق بين الطموح والمؤامرة في الدول المتخلفة
السفير : دكتور عبد الله الأشعل
خارج أوروبا والولايات المتحدة وبعض الديمقراطيات الآسيوية
يقف العالم المتخلف الذي أشير إليه طوال العقود الخمسة
الماضية بأنها دول نامية. لكن الواقع هو أن نظمها الفاشلة
أحبطت نموها وحشدت ثرواتها لمصالحها الشخصية وصادرت
مستقبلها وباعتها عقاراً بحيث لن يكون للأجيال المقبلة ما تدعيه
في أرضها اللهم إلا إذا جاء حكم ثوري رشيد وصادر كل الملكيات
الزائفة وزج بكل من أفسدوا مصر في المكان الذي يستحقه كل
خائن لوطنه. وعندما كان أستاذنا العميد د. محمد زكي شافعي،
وهو من جيل العمالقة الذين خلت من بعدهم الساحة إلا من
ومضات متفرقة، يشرح الفرق بين التقدم والتخلف أخذ يعرض
في مهارة لمعايير التمييز بين الحالين، فانتهي كما انتهي النبهاء
الاقتصاديون في الستينيات إلي أن التخلف هو التخلف وأن
الفقر هو الفقر. ورغم عشرات المقاييس التي ابتدعت طوال
العقود الأربعة الأخيرة لتحديد مواصفات التخلف فإنني لاحظت
أنه حتي لو توفرت مواصفات عكسية في المتخلف فإن تصرفات
بسيطة تكشف عن المظاهر الزائفة. والتخلف نوعان: جيني لا
سبيل إلي تفاديه، وتخلف اجتماعي يمكن تعديل مستواه بتغيير
البيئة الاجتماعية،
وأرجو أن يثبت الله يقيني بأن التخلف
اجتماعي والدليل نبوغ المصريين خارج وطنهم وتدهورهم ذهنياً
وإنسانياً عندما يعودون مادام النظام نفسه هو المحدد لمعدل
التخلف وفرض التقدم. وقد رأينا تجارب عديدة أحدثها أحمد زويل
وما عاناه في دولاب النظام المصري العتيد، فقد خرج من مصر
وعندما نبغ وأراد أن يستثمر نبوغه في أرضه وجد الوطن غير
الوطن علي النحو الذي صوره فاروق جويدة في عيون شهداء
الشباب في مصر علي شواطئ المتوسط في قصيدته الخالدة
«هذه بلادي لم تعد كبلادي»، والتي أحسب أن المؤرخين
سيضعونها في أدب المقاومة.
ومن مظاهر التخلف أن الفرد لا يستطيع أن يحلم حلماً مشروعاً
كأن يكون حاكماً مستنيراً أو وزيراً نابها محترماً. وقد تردد أن
عمرو موسي عندما كان ملحقاً بوزارة الخارجية صارح زملاءه بأنه
يريد أن يكون وزيراً للخارجية بعد 30 عاماً وقد أصبح بالفعل وزير
الخارجية بعد 33 عاماً، ليس لأن النظم في مصر منذ السادات
تتيح له ذلك ولكن لأنه فهم قواعد اللعبة وطريقة الحصول علي
هذا المنصب، بقطع النظر عن مدي استحقاقه له من عدمه.
وفي الغرب يقدرون الشخص الذي يطمح أن يكون رئيساً للوزراء
منذ طفولته ويرعاه المجتمع لأنه يري فيه نموذج السعي إلي
خدمة المجتمع في هذا المنصب الرفيع. وبوسع أي شخص
في مصر أن يعلن عن رغبته في شغل أية وظيفة غير مشروعة
تنطوي علي النهب والغش والفساد ولا تثريب عليه، فكلما
ساءت سمعته بالمقاييس العادية كان أكثر صلاحاً للمنصب
العام، لكن المحظور الوحيد أن يعلن أنه يريد أن يكون رئيساً،
في هذه الحالة يتحول هذا الحلم إلي مؤامرة لقلب نظام
الحكم، وإذا أعلن عن حلمه وهو فتي فإن أسرته ومن له علاقة
بها سوف يكونون محل مساءلة ومتابعة أمنية خوفاً من هذا
الذي قاده حلمه إلي المحظور. والحق أنه لو تم ضبط منصب
الرئيس وما دونه من مناصب القيادة بحيث تكون المحاسبة هي
الأساس والكفاءة هي الفيصل والانتخاب الحر في بيئة حرة
وناخبون أحرار معافون من داء التخلف الجيني وتم الفصل بين
هذه المناصب الرفيعة وبين المكاسب والمزايا التي تحيط بها
بحيث يصبح المنصب خدمة عامة شفافة يليه الأقدر علي شغله
ويستمر مادام الرضا عن أدائه شعبياً مستمراً. ولهذا السبب فأنا
لا أثق في أن الديمقراطية سوف تعرف طريقها إلي بلادنا في
الأمد المنظور أو في جيل أبنائي علي الأقل. بعد أن أصبح مجرد
إطلاق كلمة الديمقراطية علي حزب أو شخص يثير السخرية،
وهو ما يذكرنا بدول أوروبا الشرقية المحكومة بالحزب الشيوعي
الموالي لحكومة الكرملين ومع ذلك تعلن هذه الدول نفسها أنها
دول ديمقراطية.
إن المعارضة قوية في الغرب لأنها تثق في قدرتها علي أن تكون
بديلاً عن الحاكم في منصبه وتعرف يقيناً طرق الوصول التي
يعرفها الشعب كله، لكن عندما يصبح الدجل لمعرفة رئيس مصر
المقبل أساساً في الحساب، وعندما يصبح المعارضون عرضة
لكل الأقدار بما في ذلك التضيق عليهم في كل شيء
وحصارهم كما حوصر الشعب الفلسطيني لأنه صدق خدعة
العالم بالديمقراطية، يصبح الطامح إلي هذا المنصب الرفيع هو
الخائن الأعظم فاسأل عن سبب أهمية هذا المنصب الذي إن
صحت قواعد الوصول إليه لا زورعته قاصدوه تماماً كما كان
الصحابة يستخفون عن الرسول الكريم وهو يطلب أحدهم
لشغل المنصب العام خشية ألا يكون أهلا له، فيحاسب علي
ذلك يوم القيامة، وكما كان الصحابة يعتذرون عن الفتيا مخافة
الشطط أو الخطأ فيتحملون وزر الأمة بأكملها، فما بالنا والناس
تصعر خدها طلباً للمنصب ثقة فيما يدره من مكاسب حرام
وكأنهم خلقوا ليخلدوا ونسوا تحذير الله لهم في كتابه الكريم
بأنهم لم يخلقوا عبثاً وأنهم إليه لا يرجعون، فقفز إلي المنصب
الأخف وزنا والأوسع ذمة ومن باع آخرته بدنياه حتي صار تولي
المنصب العام في مصر قرينة علي فساد صاحبه بالضرورة أو
علي الأقل استعداده لأن يغمض عيونه جميعاً علي الفساد،
فهو ساكت عن الحق، بعد أن ألجم المنصب لسانه فخسر دنياه
وآخرته واستحق احتقار حتي المنافسين له وطلاب الحاجة.
هذا المناخ هو الذي دفع إلي التبرع بالفتوي لإلباس الباطل ثوب
الحق دون أن يدرك من أفتي بأنه يستغل مقعده النبيل ووقار
المنصب وقدسيته وبأنه ينوب عن الله ورسوله في الإخبار عن
مراد الله ورسوله، فهل يخشي الله ورسوله إن كذب عليهما
ونسب إليهما ظلماً وطمعاً وساق آيات القرآن وصحيح السنة
لتبرير المظالم والمفاسد والله لا يحب الفساد، و«إنا لله وإنا إليه راجعون».
المصدر : جريدة الدستور المصرية