سيرة الرسول-صلى الله عليه وسلم-
محمد بن عبدالله -صلى الله عليه وسلم- سيد الخلق وإمام الأنبياء، وحامل خاتم رسالات رب العالمين إلى الناس، النبى الأمى الذى سنتجول فى دروب حياته، نتنسم سيرته، ونتعقب خطواته، ونتسمع أخباره، ونسعى فى صحراء الجزيرة العربية نبحث، ونفتش ونقلب كتب التاريخ كى نتلمس آثاره، وفى رحلتنا تلك سنشاهد أحوال العالم قبل البعثة، ونطالع فصول حياته قبل نزول الوحى، ونتفهم كيف بدأ الدعوة سرًا؟، وكيف جهر بها؟، وكيف خرج بها من مكة؟، بل كيف خرج هو -صلى الله عليه وسلم- من مكة مهاجرًا إلى مدينته المنورة، حيث أسس لدعوته الدولة التى تحملها للناس، وسنرى كيف جاهد ببسالة كفار قريش؟ دفاعًا عن مدينته، حتى وقعت بينهما العالم قبل البعثة
قد يألف المرء النعمة، وقد تأنس عيناه النور؛ لكنه لن يعرف حمدًا حتى يدرك سلب النعمة وفوات النور، والناظر فى دنيا الإسلام لن يعرف فضله حتى يبصر كيف تهاوى الإنسان فى القرنين السادس والسابع فى أودية الظلم، وكيف تردى فى درب الشيطان، حين فقد عقله، وخفت فى الصدر نور قلبه، وجعل على عينيه غشاوة كفر تحجب عنه الإيمان. ذلك ما وصل إليه الأمر فى الحضارات السابقة المختلفة، وما وصل إليه الحال فى أمم العرب قبل البعثةالحضارات السابقة
ما أشقى الإنسان حين يبتعد عن منهج ربه، يزعم أنه يعلى من شأن عقله، ويحرر إرادته، فإذا عقله يرتع فى أودية الضلال، ويحشى بالأساطير والخرافات، وإذا هو مكبل بقيود أطماعه وشهواته، وشرائعه العقيمة التى سنها لنفسه، ثم أنت تتلفت فى دياره التى خلف، وآثاره التى ترك، تبحث عن حضارته، فلا تجد إلا أحجارًا منحوتة، ورسومًا منقوشة، وأعمدة شاهقة، وأبنية سامقة، فإذا فتشت عن الإنسان وجدته حائرًا ضائعًا ليس فى قلبه إلا الجزع، وما فى عقله إلا الخواء، فأين الحضارة إذن؟! ذلكم ما آل إليه أمر العالم قبل البعثة. الفرس فى المشرق، والروم فى المغرب، ثم إذا أنت توغلت فى آسيا صادفتك أممها الوسطى، ثم الهند والصين فى أقصى شرقها، فإذا أنت عرجت إلى أوروبا لم تجد ما يبهج فؤادك، وقد تتساءل عن حملة رسالة موسى
-عليه السلام-، فلا تجد أمامك إلا اليهود وهم فى أشقى حال، وقد تأخذك قدماك إلى الحبشة فى إفريقيا، أو إلى مصر أقدم الحضارات، فلا تجد فى هذا القرن الميلادى السادس إلا ما يدمى قلبك ويدمع عينيك، لكن لعلها كانت ظلمة الليل البهيم التى تنبئ عن فجر يشرق بعدها!.
الفرس
كان الفرس يعبدون الله ويسجدون له، ثم أضحوا يمجدون الشمس والقمر وأجرام السماء، ثم جاءهم "زرادشت" فدعاهم إلى التوحيد بزعمه، وأمرهم بالاتجاه إلى الشمس والنار فى الصلاة، وظل من بعده يشرعون لهم حتى انقرضت كل عقيدة وديانة غير عبادة النار، واقتصرت عبادتهم تلك على طقوس يؤدونها فىالمعابد، ثم إذا خرجوا منها تقاذفتهم أمواج الباطل ورياح الضلال فى كل سبيل، وأمام فساد الفرس ظهرت دعوة "مانى" فى القرن الثالث الميلادى -بمنافسة النور والظلمة- فحرم الشهوات بالكلية لأنها من الظلام، ودعا باستعجال الفناء انتصارًا للنور، وهو ما أجابه إليه ملكهم حين قتله!! وظل أتباعه بفارس إلى حين الفتح الإسلامى، وظهرت من بعده دعوة "مزدك" بأن المال والنساء مشاع مباح كالكلأ والنار والماء! وما زالت دعوته تلك تظهر حتى صار الرجل لا يعرف ولده، والولد لا يعرف أباه، والمرء يغلب على بيته بمن يشاركه ماله ونساءه فى كل وقت وفى كل حين، أما بالنسبة للنظام الاجتماعى فقد عرف الفرس نظام التميز الطبقى فى أقسى صوره، وكان مركز المرء يحدد بنسبه، فلا يستطيع أن يتجاوزه، أو يغير حرفته التى خلق لها بزعمهم الباطل. وفيما يخص النظام المالى، فقد كان نظامًا جائرًا مضطربًا، يعتمد على الجباية والضرائب الباهظة، التى أثقلت كاهل الناس، حتى أدركوا أشغالهم ففشت فيهم البطالة وكثرت بينهم الجناية، وكان الفرس يقدسون أكاسرتهم، ويعتقدون فى ملوكهم الألوهية، وأن لهم حقـًا لا ينازع فيه فى التاج والإمارة، وكثرت كنوز ملوكهم فى الوقت الذى عانت فيه شعوبهم من شظف العيش. وروى عن "خسرو الثانى" أنه كان فى خزانته ثمانمائة مليون مثقال ذهب فى العام الثالث لجلوسه على العرش، أما "كسرى أبرويز" فكانت له اثنتا عشرة ألف امرأة، وخمسون ألف جواد وما لا يحصى من أدوات الترف والقصور. والعجيب أن الفرس مع ذلك كانوا يمجدون قوميتهم، ويعتقدون أنها اختصت دون سواها بالشرف فى الوقت الذى كانوا ينظرون فيه إلى الأمم من حولهم نظرة ازدراء وامتهان.
الروم
كان المجتمع الرومى يخضع لنظام طبقى جائر لا يتطلع فيه المرء لمن فوقه ولا يحق له أن يغير مهنته وحرفته التى يرثها من أبيه، وقد تعاظمت الضرائب والإتاوات على أهل البلاد، حتى مقت الناس حكوماتهم، وحدثت لذلك ثورات عظيمة واضطرابات، حتى إن ثلاثين ألفًا من البشر قد هلكوا فى اضطراب عام اثنين وثلاثين وخمسمائة من الميلاد وحده، وقد انحطت الدولة وتردت للهاوية من كثرة ما انتشر فيها من الرشوة والخيانة، وما ضاع فيها من العدل والحق، فضاعت التجارة، وأهملت الزراعة، وتناقص العمران فى البلدان. أما أهل الرياسة والشرف فقد استحوذت عليهم حياة الترف والبذخ، وطغى عليهم بحر المدنية المصطنعة والحياة المزورة، وارتفع مستوى الحياة وتعقدت الحياة تعقدًا عظيمًا. وكان الواحد منهم ينفق على جزء من لباسه ما يطعم قرية بأكملها. أما عن علاقة المملكة بما يخضع لها من بلدان، فكان المبدأ تقديس الوطن والشعب الرومى، وغيرهما له الاستعباد، أو الفقر والاضطهاد، وكان من أنكر ما فعلته هذه الدولة تحريفها للمسيحية، وتحويلها إلى سفسطة عقيمة، وحروب أليمة. منقول