النوم .. سلطان!

قد نختلف في كل شيء بدءا من طريقة الكلام مرورا بأذواق الملابس ورغبات الطعام وانتهاء بالطباع والأفكار ولكن يبقي النوم هو اللغة الوحيدة التي تتحدث بها كل الأقطار عربية كانت أو أجنبية ولا يختلف اثنان علي فهم مفرداتها . لهذا أسموه (بالسلطان) صاحب السلطة والنفوذ والكلمة التي لاترد . وعلي الرغم من دعاوي البعض بقدرتهم علي اليقظة والتحمل ومقاومة النوم بالمنبهات إلا أن الواقع يفضح هذه الدعاوي ويؤكد فشلنا مهما كنا أقوياء في تحدي السلطان
مع قوة سلطان النوم ونفوذه وقدرته العجيبة علي إخماد جبروت البشر في لحظات إلا أنه يتميز بسخريته الغريبة من غرف النوم الفارهة ومن الأسرة ذات الوسائد والملاءات الناعمة ويجبر أصحاب البدل الأنيقة و¢الكرافتات¢ الشيك أحيانا للنوم علي الأرصفة أو داخل الأسواق وربما في دورات المياه. في هذه السطور نستعرض بالكلمة والصورة حكاية السلطان الشرس المسمي بالنوم الذي يفرض سلطته علينا ليلا أو نهارا ويحدد مواقيت غفلتنا ولانستطيع أن نرد له طلبا .
بداية لا مواعيد للسلطان . والدليل مانلاحظه داخل أغلب الدوائر الحكومية، فالموظفون ينامون علي مكاتبهم في تمام التاسعة صباحا ويستيقظون الثانية ظهرا الأمر الذي يدحض الزعم بأن السلطان يبدأ نشاطه ليلا. وعلي الرغم مما استحدثته الجهات الرقابية من قوانين للحد من النوم أثناء العمل إلا أن الموظفين مازالوا يبتكرون حيلا للهروب من العقاب والاستجابة لسلطان النوم منها مد الجرايد أسفل المكاتب واتخاذها أسرٌة بديلة وغيرها من الحيل.
البعض أكد أن هناك علاقة قديمة بين النوم وطبيعة الأكل التي يحرص الموظفون علي تناولها صباحا. فالسلطان يأتي بمجرد تناول الفول والبصل حيث تبدأ أعراض الغياب التدريجي عن الوعي، وأخيرا تسقط رؤوسهم جبريا وبلا شعور منهم علي المكاتب الخشبية.
ضعف المقاومة
المحاولات التي يلجأ اليها البعض لمقاومة (النوم) أثبتت فشلها. فالمنبهات التي يكتبها الأطباء للموظفين والأعشاب التي يبيعها العطارون لم تستطع التصدي للنوم بل أثبتت الأبحاث تأثيرها السلبي المخيف حيث ينام كل الجسد بعد تعاطيها وتبقي العيون فقط في حالة يقظة شكلية أو إن جاز التعبير يصبح المرء (نائما إكلينيكيا) حتي ولو شاهده الناس يتحدث أو يمشي علي قدمين .
النوم الإكلينيكي هو العنوان الأميز للموظفين في أغلب القطاعات المتعاملة مع الجمهور ولعل الباحث عن أسباب تعطيل المعاملات في الوزارات أو الأخطاء المحاسبية في البنوك او المهازل التي تعتري نتائج الطلاب في الامتحانات يتأكد له أن الموظفين باختلاف أماكنهم يمارسون أعمالهم وهم واقعون تحت سطوة السلطان أو نائمون اكلينيكيا فيما أياديهم تعبث (وتشخبط) في الأوراق التي أمامهم دون شعور سلطان النوم لم يكتف بمكاتب الموظفين بل حول الاتوبيسات العامة الي سراير متحركة علي عجلات هذا مانرصده جميعا حال صعودنا (للباصات) سواء أكان الصعود مساء أو صباحا أو ظهرا فأغلب المقاعد عليها أناس نائمون وسيدات نائمات بلا مبرر مقبول . وإذا كنا قد نلتمس للنائمين ظهرا العذر نتيجة التعب والإجهاد فلسنا ندري كيف نلتمس للنائمين صباحا العزاء والعذر وكيف نرتضي أن تمتليء مكاتبنا بالموظفين الذي أماتهم الفول الموتة الصغري وغيبهم السلطان وقتيا عن الحياة ...العقاب والخصم من الراتب والفصل من الوظائف لم تعد وسائل مجدية في حربنا مع السلطان لذا لابد من استرضاء هذا الشرس والبحث عن أسلوب آخر للتصالح معه وإرضائه
الأجانب أيضا
ومع اعتقادنا القديم بأن الأجانب أكثر منا احتراما لفضيلة العمل وتقديسا للمواقيت إلا أن السلطان أصبح لا يفرق بين هذا وذاك وبات يتعامل مع الجميع بسيف واحد . ففي أوروبا كثيرا ما نلاحظ رجالا وسيدات نائمين وقوفا علي محطات الباصات أو داخل وسائل النقل العام أو ربما أمام ماكينات الصرف الآلي أو علي دراجاتهم أثناء القيادة وعلي الرغم من عدم تعاطي الأجانب ( للفول والبصل) إلا أن البحث مازال جاريا عن أسباب سيطرة السلطان الغريبة علي هذه الشعوب النشيطة واليقظة بالفطرة .
الجميل في سلطان النوم إنه لا يفرق بين مناصب البشر ولا يتعامل مع الإنسان من منظور الوجاهة الاجتماعية بل يطرح الجميع أرضا متي أراد وفي أي مكان شاء شارعا كان أو حماما.
وداعا للسرير
ظاهرة النوم في أي مكان وأي وقت جعلت هواة النوم يستحدثون طرقا ابتكارية للنوم في أماكن عملهم ومن الممكن تطبيقها أيضا في منازلهم . فالنوم وقوفا أومستندا علي الجدران أو ممددا علي الجرايد أسفل المكاتب كلها طرق حديثة لم تكن مألوفة من قبل. لهذا ليس بمستبعد أن يحتل السرير مرتبة متأخرة في قوائم اختيارات العرسان حيث يمكن استبداله في المستقبل بالاوراق والمفارش البلاستيك
ثقافة النوم
متخصصون أرجعوا سطوة السلطان الي أسباب أبرزها افتقادنا إلي مايسمي (بثقافة النوم) واختيار مواقيت الغفوة واماكنها وأكدوا ان ساعة الجسم البيولوجية تسير بنظام معلوم وأن العبث بعقاربها تارة بالسهر أو تعاطي المنبهات يؤثر في حركتها مما يحدث اختلالا في كيميا الجسد ويجعل الانسان فاقد القدرة مجبورا وبلا إرادة منه علي النوم أعلي المكاتب او أسفلها او داخل الباصات او علي محطات الانتظار.
الحلول التي رمي إليها البعض يدور أغلبها في فلك صداقة النوم أو بمعني أكثر وضوحا التعامل مع السلطان وكأنه صديق مقرب وإعطاء الجسم الجرعة الكافية من الراحة حتي يمنحنا ماننشده من النشاط ليس هذا فقط بل الابتعاد قدر الامكان عن مهيجات النوم من الأطعمة ذات التاريخ النعاسي القديم .
هذه هي حكاية السلطان الشرس الذي متي أراد أنامنا علي الأرصفة وتحت المكاتب وداخل ¢بيوت الراحة¢ المغلقة
بالترابيس.

ورد بمجلة أخر ساعة المصرية : العدد 3849 بتاريخ 30يوليو 2008