
العدد - 3854 - السنة : 1429 هـ 3 ـ رمضان 3 - سبتمبر 2008 م
لا وجــــــــود للفانـــــوس أو طبلــــــــة المسحـــــــراتي
رمضان في السعودية .. صراع علي الفول والسوبيا !
رسالة جدة رشدي خليفة
لرمضان في السعودية وجه ربما يختلف عن المعتاد و المألوف في مصر ... فلاوجود للفوانيس المعلقة علي شرفات المنازل كما لا تكاد تسمع للمسحراتي وطبلته الشهيرة صوتا في الشوارع والأزقة. وانما تبدو مظاهر دخول الشهر الكريم بوضوح فيما يطلق عليه السعوديون ¢بالشعبنة ¢ وهي موروث قديم يحرص أهالي المملكة علي إحيائه متي اقترب الشهر المبارك ويستهدف إذابة جليد الخلافات بين الأسر المتخاصمة والتي تباعدت بأمر الصراعات المادية طيلة العام وعلي الرغم من قدم الموروث المسمي (بالشعبنة ) إلا أن الجميع *^*أغنياء وفقراء*^* يلتزمون بإحيائه ترسيخا لمبدأ الصفح والتسامح مع إطلالة رمضان. وإذا كانت الشعبنة موروثا يعيده الكبار (رجالا ونساء) بغية إعادة صفحة الحب والوئام بينهم فإن إحساس الأطفال بهذه العادة يبدو الأجمل فالصغار يطرقون أبواب المنازل وفي أياديهم أطباق فارغة وهم يرددون الأغاني وما علي ربة البيت إلا أن تضع في هذه الأطباق ماتجود به من حلوي وفواكه. الجميل أن الأطفال يحفظون نوعين من الأغاني والأناشيد منها أغان دالة علي الكرم وأخري علي البخل . فإذا منحتهم ربة البيت مايريدون غنوا لها مادحين وإذا رفضت أمطروها بأنشودة الشح ووصفوها بالبخيلة.

في أول أيام رمضان يستوقفك الزحام غير العادي علي محلات الفول وهو أمر يثير الدهشة خاصة إذا عرفنا أن هذه المحلات لا يزورها الكثير طوال العام باستثناء المصريين الأمر الذي يؤكد مكانة الفول عند السعوديين في شهر رمضان خاصة .
طوابير متراصة ربما تمتد لشارع أو شارعين وتسابق غريب من أجل هذا الطبق المعزوف عنه أحد عشر شهرا كاملة
هذه التظاهرة الغريبة علي محلات الفول حركتنا للسؤال عن أصولها وأسبابها ولماذا ¢الفول¢ وما ارتباطه بالشهر الكريم ؟
كثيرون أكدوا أن هذا الطبق خاصة هو المظهر الدال علي الشهر الفضيل داخل البيوت السعودية فلا إحساس بمذاق رمضان اذا خلت سفرة الافطار من وجوده كما أن كثيرا من الأسر تؤجل إفطارها لما بعد المغرب إذا عجز رب البيت عن الحضور بهذا الكنز الثمين . هذا الحرص البالغ جعل من الفول ¢ سيد الموائد السعودية في رمضان .
السـوبيــــا خارج المنافسة
علي الرغم من التنوع الكبير للمشروبات في رمضان والمتمثلة في عصير التوت والتمر هندي وغيرها إلا أن السوبيا تعد مشروبا خارج المنافسة في السعودية ولعل الإقبال علي هذا المشروب الأحمر والأبيض والمصنوع من الشعير والمعبأ في أكياس بلاستيكية يرجع لما يرسخه الأطباء من كونه مشروبا مفيدا للأصحاء والمرضي علي السواء إذ يعمل علي صيانة القلب وتهدئة الأعصاب لاسيما للأشخاص الذين يعانون من العصبية الزائدة . ومع حرص الكثيرين علي أن تكون السوبيا أول مشروب يتناولونه في افطار رمضان تعلو التوقعات بأن زيادة الاقبال عليه نتيجة الارتفاع المذهل في درجات الحرارة هذا العام تحديدا .
هي عادة لا يمكن وصفها بالقديمة في كل مناطق المملكة وانما تكمن حداثتها في انتقالها من داخل المساجد الي خارجها وحسبما أفاد البعض أن الخيام الرمضانية أوجدتها مؤخرا كثرة أعداد العمالة الوافدة خاصة الآسيوية حيث بدأ السعوديون ينصبونها مستهدفين كسب الأجر من وراء إفطار الصائمين . وعلي شاكلة موائد الرحمن في مصر لا تزدحم الخيام الرمضانية في السعودية بالبسطاء والفقراء فقط بل يحتل المعتمرون العرب النسبة الأكبر في ارتيادها حيث يكثر توقف الباصات أمامها قبيل أذان المغرب . ولعل الناظر للخيام وطريقة فرشها وأشكال موائدها وتنوع مأكولاتها يمكن ان يطلق عليها مجازا ¢ خيام 5 نجوم ¢ وهو ما يجعل الإفطار فيها محببا لدي الكثيرين .
ألعــــاب نارية
الألعاب النارية أو ما يسمي في السعودية (بالطراطيع) شكل آخر من الأشكال الدالة علي قدوم رمضان . فلا تكاد تمر في حي من أحياء مكة القديمة أو جدة إلا وتجد الأطفال يطلقونها ابتهاجا بقدوم أحب الشهور . ومع التحذيرات التي تشدد علي عدم الإفراط في استخدام هذه الالعاب لما قد تمثله من أخطار إلا أن الجميع يغض الطرف احتراما لفرحة رمضان التي تتكرر مرة في كل عام . ليس الألعاب النارية وحدها هي عنوان قدوم الشهر لأطفال السعودية بل كثيرا ماتري تجمعات طفولية في الشوارع تغني الأناشيد والأهازيج القديمة باللكنة الحجازية والتي حفظوها من أجدادهم عن ظهر قلب دونما إدراك منهم لمعاني مفرداتها .
الســـواك.. صناعــــــــــة
في نهار رمضان وعلي أرصفة شوارع مكة يتخذ كثير من السعوديين من بيع السواك مهنة محببة لا ينتظرون من ورائها الكسب المادي بل تمضية الوقت في عمل شريف .لذا ليس غريبا أن تري علي بعد مسافات متقاربة كبارا في العمر جالسين وفي أيديهم آلة حادة لتقطيع شجر السواك الذي يحرص الجميع علي استخدامه وشرائه في رمضان وبسؤال أحدهم قال إنني اقوم بهذا العمل في هذا الشهر الفضيل من كل عام وأشعر بفرحة غامرة وقتما يشتري مني الزوار والمعتمرون وأضاف لا انظر من وراء مهنتي لكسب الريالات بل أحمل من يشتري مني دعوة العافية في كل صلاة .
المـــــدفع والفانـــوس
علي الرغم من وجود هيكل المدفع في كثير من مناطق السعودية إلا أن السعوديين لا يأبهون بإطلاقه ولا يحرصون علي سماع صوته العالي بل يكتفون بنغم الأذان واصفينه بالطرب الذي يلامس المسامع وبمرور الوقف اندثر هذا الشكل الرمضاني في كافة المناطق ولم يعد له وجود إلا في مكة المكرمة فقط .
ومع اندثار المدفع لانكاد نري شكل 'الفانوس' في أيدي الصغار وعلي ارفف محلات الباعة وان كان البعض القليل يبيعه مستهدفا الوافدين من مصريين وغيرهم ممن يعشقون الفانوس ويرونه عنوان رمضان الجميل . وبجوار الفانوس والمدفع الغائبين يمثل المسحراتي أيضا تراثا معزوفا عنه في السعودية . وحسب رواية البعض أنه كان موجودا حتي عشر سنوات مضت ولكنه لم يلاق القبول مثلما لاقاه في مصر حتي أنه غاب عن أيام رمضان في السعودية دون أن يسأل أحد عن سر غيابه . وقالوا إن المصريين نجحوا في الحفاظ علي هذا الموروث واعتبروه من تفاصيل الشهر لذا عاش علي أرضهم واستمر.
سبـــــاق إلي الحـــــرم
ومع كل ماذكرناه من مظاهر دالة علي الشهر الفضيل يبقي هناك مشهد آخر لا يمكن إغفاله وهو التسابق الغريب للحاق بالصلاة داخل رحاب الحرم المكي والفوز بصلاة المغرب والعشاء ومن ثم التراويح هناك. هذا المشهد يحكيه سباق المركبات علي الطريق الموصل للعاصمة المقدسة . وعلي الرغم من السرعة الفائقة والمخيفة من السائقين خاصة من منطقتي جدة والطائف باعتبارهما الأقرب الي مكة إلا أن الغنيمة والهدف الغالي يجعلان الطريق في عيون سالكيه سهلا ميسورا .
شائعة السديس
شائعة أطلقها البعض عن غياب الشيخ عبدالرحمن السديس صاحب الصوت المؤثر في القلوب عن الصلاة في الحرم هذا العام الأمر الذي حرك مدامع الكثيرين ممن يحبون صوت قراءته للقرآن في هذا الشهر الفضيل . وعلي الفور سارع رئيس مجلس الشوري إمام الحرم المكي الشيخ صالح بن حميد بالتأكيد علي أن السديس سيقوم بإمامة المصلين في مغرب رمضان وسيشارك مع آخرين في صلاة التراويح . ويعد الشيخ السديس من الأصوات الجميلة المرتبطة كل الارتباط بهذا الشهر بل يمثل صوته عنوانا واضحا لرمضان في ذاكرة الكثيرين بعيدا عن كل ماذكرناه من مظاهر إطلالة أحلي الشهور يبقي رمضان في السعودية حلم البعيدين عن قلب مكة وعن رؤية الكعبة المشرفة والصلاة قريبا من ردائها الأسود . بل هو أمل من يشاهدونها علي شاشة التليفزيون فتهتز قلوبهم شوقا وتتسع مساحة أحلامهم في أن تكون لهم مع مكة المكرمة رحلة في رمضان قادم . هذا هو الأمل والأمنية بل نراها حلم المسلمين في كل مكان.
--------------------------------------------------------------------------------
ورد بمجلة : اخر ساعة العدد : 3854 3 رمضان 1429 3 سبتمبر 2008