إعجاز بلا ألغاز.. في آيات محكمات
علم الله الرسول ما لم يكن يعلم وخصه بالمعرفة وفيها خبر السابقين ونبأ القادمين من ذلك أن الرسول أبلغ الصحابة عن أحداث حدثت من قبله ولم يحيها وأبلغهم أيضا عن أحداث لم تكن قد حدثت بعد. ووقع بعضها في أيام حياته ووقع البعض الآخر بعد انتقاله إلي الرفيق الأعلي.. "الم غلبت الروم في أدني الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون" الآيات من 1 إلي 6 الروم.
ويقع من الأحداث في زماننا هذا ما يقع وجاء ذكره في ايات الله في كتابه الكريم وما جاء علي لسان سيد المرسلين وظاهر ما تنبأ به الرسول الكريم واضحا للعيان فيما تظهره مجريات وأحداث الحياة المعاصرة.
ويواكب إعجاز نزول آيات الله علي النبي صلي الله عليه وسلم إعجازا آخر تستخلصه من تلك الآيات المحكمات.
"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون".
فكما اسلفنا فإن آيات الله المحكمات تحوي بين معانيها مفاتيح كنوز المعرفة التي ينهل منها الإنسان عند إعمال نعمة العقل ليكتشف الجديد وليدفع به عجلة الحياة الدنيا ويصل بها في تطور يواكب سنين وسنن الحياة إلي أن تصل إلي اعتاب الحياة الآخرة حين قيام الساعة.
وسوف تتطور العلوم ويتم كشف كل ما هو جديد وسوف يفاجأ الإنسان أن ما كشفه ويسميه تطورا واختراعا ما هو إلا تحصيل لما جاء ذكره في آيات الله ولكن لا تفصح تلك الآيات عن أسرارها ومعانيها إلا في حين وقتها.
ودليل ذلك أن الله سبحانه وتعالي جلت قدرته لم ييسر للناس سبل معرفة كامل ما تحتويه آياته المحكمات أيام نزولها علي الرسول الكريم منذ أكثر من أربعة عشر قرنا وذلك لعدم توافر أدوات العلم إلا بقدر ما كان يناسب العصر آن ذاك. وهنالك يسر الله جلت حكمته سبل المعرفة بمقدار ما كان يكفي للارتقاء لمدلول آياته البينات بما ينفع الناس في ذلك الزمان وإذا ما تدبرنا مدلول ذلك لوقفنا علي اعتاب إعجاز آخر يؤكد ضرورة تقديم العلم علي الوصول إلي المعرفة التي يتواكب مقدارها مع مقدار العلم فيزداد قدر المعرفة كلما تعاقبت العصور وتقدمت وسائل العلم حتي تصل الأجيال القادمة إلي ما لم ندركه نحن وما لم يدركه اسلافنا.
إن هذا التواكب والتعاظم فيه دليل علي أن القرآن الكريم يحتوي علي دستور عمل الحياة بمنظومتها الدقيقة منذ خلق الله الحياة وما فيها والأرض وما عليها وحتي قيام الساعة بما يحفظ للقرآن واقعيته وللحياة أنظمتها التي لا خلل ولا تبديل فيها ولا تحريف عما قدره الله لها.
ولعلنا نستخلص من هذا ما يشير إلي أن حفظ الذكر ألا وهو كتاب الله الكريم ليس حفظا كتابيا يمنع التبديل والتحريف فقط بل هو حفظ رباني لتواكب آياته مسيرة حياة الأجيال السابقة والحاضرة وكذلك الأجيال القادمة حتي يكون فيه للناس بينة وتكون آياته البينات حجة لهم يوم القيامة أو عليهم عندما يحين وقت الحساب.
ولن ينتهي نبأ الحياة في مسيرتها القادمة بكل تفاصيلها ودقائقها إلا يوم تنتهي سبل الحياة الدنيا ببني آدم وتطوي الصحف ليكون للناس حسابهم طبقا لشريعة الله وما جاء في آيات القرآن الكريم.
"إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم". الغاشية.
ففي يوم البعث سيؤتي بالرسول ليكون شهيدا وشاهدا علي الناس معززا بالمعرفة التي أودعها الله عقل الرسول وأسرها الله في اياته مدخرة لهذا اليوم حتي يتمكن الرسول الكريم من الشهادة ثم يشفع في الناس بأمر الله.
وتفسير تلك المعرفة التي أودعها الله في خلايا عقل النبي محمد صلي الله عليه وسلم ثم اصطفائه له ليكون شاهدا وشفيعا للناس ودليل ذلك أن الله خلق الرسول ضمن من خلق من بني آدم واصطفاه ثم أنبأ عنه آدم حين علمه الأسماء كلها هنالك أكرم الله الرسول ورفع عنه حجب المعرفة وسر الحياة وطبيعة الكون وحجب المعرفة والأسرار عن الخلق أجمعين إلا بمقدار ما ينفع الناس ويواكب مسيرة الحياة الدنيا.
وكان مولد الرسول الكريم بعد حقبة من الرسل إيذانا ببدء مرحلة اكتمال الرسالات وجاء مولده تحقيقا لما بشر به الأنبياء والرسل السابقين مصداقا لقوله تعالي علي لسان سيدنا عيسي صلي الله عليه وسلم.
"وإذ قال عيسي ابن مريم يابني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصداقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين".
وأدرك من أحاط بالرسول الكريم صدق رسالته فكانوا أول المؤمنين به عندما تنزلت عليه آيات القرآن الكريم بالهداية والمعرفة المتكاملة ثم آمن به من أعمل نعم
ة العقل وامتلك القدرة والمعرفة علي التفريق بين الحق والباطل وارتضي له الله الهداية وجحد بآيات الله من كتب له الشقاء.
ودليل حجب المعرفة والأسرار عن الخلق أجمعين إلا بمقدار أن بدايات بعض سور القرآن تحمل حروفا وكلمات لها مدلول ومعان لم يتمكن بنو البشر من فهم أسرارها حتي يومنا هذا مثال ذلك ألم. طه. كهيعص إلي آخر مفاتيح وبدايات السور وعلم الله رسوله أسرارها وحجبها عن العالمين حتي يأمر الله بأمر كان مفعولا.
أليس ذلك تكريما لأمة اصطفي الله منها رسولا أميا ليكون مبشرا ونذيرا وهاديا إلي الله بإذنه وسراجا منيرا؟ أليس في ذلك تكريم لأمة قال عنها الله سبحانه وتعالي كنتم خير أمة أخرجت للناس؟
"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون". آل عمران.
تلك الأمة التي خصها الله أن تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وأرسل إليها رسولا من أنفسهم وجعلها أمة وسطا أما كان الرسول يدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة ويعلم الناس بالحق؟
إن الإيمان يستوجب الاعتراف بأن الله واحد لا شريك له والتصديق بمحمد رسولا والإيمان بصدق ما أنزل عليه من آيات محكمات في كتاب مبين وكذلك الإيمان بالرسل من بني آدم موسي وعيسي وما أنزل عليهم من كتب منزلة من عند الله والإيمان بالرسل من الملائكة.
"آمن الرسول بما انزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير".
فإذا أعملنا نعمة العقل وأحصينا ما ذكرنا من معجزات فهي واضحة جلية لا تخفيها الألفاظ ولا تحجبها عن الفهم المعاني ولكن ندركها بأدوات العلم الذي تفتح به أبواب المعرفة فيدرك المؤمنون حقا ويقينا معجزات ما تحتويه هذه الآيات المحكمات دون ألغاز حقا إنه عجاز بلا ألغاز.