ما زالت الحرب العراقية تسير تساؤلات مكانة وحتى مصير الأمم المتحدة، خاصة أن الولايات المتحدة وحلفاءها غزوا العراق دون الضوء الأخضر من مجلس الأمن الذي هو السلطة العليا في مجال الترخيص وشرعنة اللجوء إلى القوة في العلاقات الدولية.
يأتي هذا الكتاب ليحلل عبر تحقيق ميداني وضع هذه المنظمة في ظل تطورات الأزمة العراقية (غزو، احتلال، مقاومة). وصاحب هذا الكتاب الذي يعمل صحفياً في إذاعة فرنسا الدولية، عارف بالشأن الأممي وقد سبق له أن أصدر كتاباً حول هذه المنظمة عام 1994 بعنوان "أسطورة الأمم المتحدة.. الأمم المتحدة بعد الحرب الباردة".

غلاف الكتاب
-اسم الكتاب: هل يجب إلغاء الأمم المتحدة؟
-المؤلف: بيار-إدوارد دالديك
-عدد الصفحات: 282
-الطبعة: الأولى 2003
-الناشر: هاشات ليتيراتور-باريس
يستهل المؤلف كتابه بالحديث عن العملية التي استهدفت مقر المنظمة في بغداد يوم 19 أغسطس/آب 2003 مما أودى بحياة 24 شخصا بمن فيهم ممثلها الخاص سيرجيو فييرا دي ميلو، معتبراً أن 2003 سنة سوداء في تاريخ المنظمة من جراء هذه العملية التي لا سابقة لها ضد الأمم المتحدة رغم سلطتها القليلة جداً في العراق المحتل من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا.
وهي المرة الثالثة التي يلقى فيها كبار موظفيها حتفهم في أدائهم لمهامهم، الأولى كانت اغتيال فولك بيرنادوت عام 1948 في فلسطين والثانية أمينها العام هامرسكولد عام 1961 في الكونغو. كما فقدت المنظمة أكثر من 1800 رجل من جنود السلام (القبعات الزرق) منذ عام 1948. ويقول إنه يهدي هذا الكتاب -بعنوانه الاستفزازي المقصود- لكل موظفي المنظمة الذين ماتوا في تأدية مهامهم.
يبدأ المؤلف كتابه بالقول إنه لما كان كولن باول يعرض أمام مجلس الأمن "الأدلة" الأميركية على امتلاك العراق أسلحة محظورة وعن علاقته بالقاعدة، كان المجلس حينها قي قلب السياسة العالمية.
ثم يتحدث الكاتب عن صورة الأمم المتحدة لدى موظفيها والوثائق الصادرة عنها والتي ترى في هذه الهيئة مركز العالم. ويقول إنه حسب الميثولوجيا الأممية المكتوبة من طرف موظفيها فإن "العالم سيصبح شيئا فشيئا نهراً من العسل بفضل الأمم المتحدة".
الأمم المتحدة في قلب المشاكل
الأمم المتحدة ما هي إلا تعبير عن إرادة دولها الأعضاء, وعليه فانتقادها هو في حقيقة الأمر انتقاد لدولها الأعضاء التي همها الوحيد الدفاع عن مصالحها
وكثيرة هي وثائق المنظمة التي تؤكد وجود هذه الأخيرة في قلب تسوية المشاكل التي تواجهها الإنسانية. لكن رغم بعض نجاحاتها فإن الواقع عكس ذلك. "وأمام هذا الواقع فإن الأمم المتحدة تتغذى من أحلام الميثاق لحجب نقائصها". كما أن خير المختصين لا يعلمون إلى حد الساعة ما جدواها في العلاقات الدولية. إلا أنه يجب ألا تُحمل كل شيء وإلا فإننا سنخطئ في الهدف، ذلك أن المنظمة ما هي إلا تعبير لإرادة دولها الأعضاء. وعليه فانتقادها هو في حقيقة الأمر انتقاد دولها الأعضاء التي همها الوحيد الدفاع عن مصالحها.
يقول إن أمل تفعيلها بعد نهاية الحرب الباردة لاسيما "نهضتها" إبان حرب الخليج، سرعان ما تبخر تدريجياً حتى قضى عليه بوش الابن وبطريقة عنيفة. وقد تكون الفترة 1992-2003 الوحيدة في تاريخ الأمم المتحدة التي تمنت فيها هذه الأخيرة لعب دور المعدِّل في العلاقات الدولية بفضل الاتفاق بين الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن.
عن الأزمة العراقية يقول إن الأمور وصلت إلى ما هي عليه من جراء القرار 1441 الذي كان سبباً في معركة عنيفة لم يشهد لها مجلس الأمن مثيل منذ نهاية الحرب الباردة، لأن المواجهة كانت بين أعضائه. وكان قرار بوش غزو العراق في مارس/أيار 2003 بعد تهديد فرنسا وربما الصين باستخدام الفيتو، بمثابة مخطط يتعارض والمثل العليا لميثاق الأمم المتحدة.
كان هذا تاريخ صدام بين منطقين: منطق الولايات المتحدة ضد منطق الأمم المتحدة، أحادية ضد العمل المتعدد الأطراف. لكن بوش كان قد حذر بأن الأمم المتحدة ستكون "غير فعالة وغير مجدية" إن هي لم تتحرك. وبالتالي فالمنظمة غير فعالة وغير مجدية إن هي لا تخدم الأهداف الأميركية.
أما تصور المنظمة لدورها فلا يتطابق والواقع، فهي ستستمر في لعب دور مركز كما هو الشأن اليوم حسب أمينها العام كوفي أنان. لكن يقول الكاتب: قبل الحرب في العراق فإن شعوب العالم لم تتظاهر من أجل الأمم المتحدة وإنما ضد الولايات المتحدة وبريطانيا. كما أن أنان -الذي أصبح أميناً عاماً للمنظمة بفضل الدعم الأميركي- لم يفعل شيئا لتفادي تحكم واشنطن في منظمته، كما أنه "لم يدن حقيقة الهجوم على العراق والمنتهك للأمم المتحدة".
نجاحات وإخفاقات
بعدها يتطرق الكتاب لدور المنظمة في بعض الصراعات حيث حققت نجاحات في بعض منها وإخفاقات في أخرى، ليتحدث عن أهم مبادئ الميثاق في مجال حفظ الأمن والسلام الدوليين وحل النزعات سلميا (الفصل السادس) أو باستخدام القوة العسكرية (الفصل السابع)، وكذلك عن حق النقض وسلوك الدول الخمس في استخدامه، مشيراً إلى أنه حتى أبريل/نيسان 2003 استخدم 252 مرة أساساً خلال الحرب الباردة، 76 مرة من قبل أميركا، وقد استخدمته واشنطن مؤخراً 9 مرات منها 7 مرات للدفاع عن إسرائيل.
لكن رغم هذا تم تبني حوالي 30 قراراً بشأن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني دون أن يطبق ولا واحد منها، وهذا ما يجعل انتقاد أميركا ومجلس الأمن لازدواجية سلوكهما مبررة (تشدد حيال العراق وتساهل مع إسرائيل). ويقر موظفو الأمم المتحدة بسياسة الكيل بالمكيالين هذه، وحتى أمينها العام الحالي يعتبر أن هذا الأمر ليس جديداً. لكن يقول الكاتب إن هذا قد يشكل مساساً بمصداقية الأمم المتحدة.
بعدها يتطرق المؤلف إلى مسألة إصلاح المنظمة ويقول إن الأزمة العراقية أثارت موجة من الانتقادات ضدها وخاصة ضد مجلس الأمن. يتحدث صقور الإدارة الأميركية عن العجز المزمن لهذا المجلس في تطبيق قراراته كما يظهر من المثال العراقي، وعليه فالمنظمة في رأيهم غير قادرة على القيام بمهمتها، في حين يطالب المدافعون على المنظمة بإصلاحها بدءا من مجلس الأمن.
ويتساءل المؤلف عن شرعية وتمثيلية هذه الهيئة لعالم اليوم وبالتالي ضرورة توسيعها، خاصة أن معظم الدول قبلت بفكرة توسيعها ليضم 19 إلى 25 عضواً. وقد توالت الاقتراحات والتقارير في هذا الخصوص. ثم يتحدث عن معضلة الاختيار بين مختلف المرشحين لاسيما من دول الجنوب.
كانت الأزمة العراقية "فشلاً مؤلماً بالنسبة للأمم المتحدة" لأن الدول الأعضاء لعبت الورقة الأممية علماً بأن المعركة محسومة مسبقاً، وما كان بوسع المنظمة فعل أي شيء ماعدا تأخيرها بأشهر معدودة
بعدها يعرض "للفشل العراقي" ويقول إن أميركا قبلت في البداية (في سبتمبر/أيلول 2002) لعب الورقة الأممية دون قناعة. فقد جاء بوش إلى مجلس الأمن معتقداً بأنه لن يكون بوسع هذا الأخير إلا المصادقة على مخططاته. وفي هذه الأثناء كان الموقف الفرنسي قريبا من موقف واشنطن (فرنسا كانت تقول بضرورة تبني قرار حول عودة المفتشين ثم إن اقتضى الأمر فقرار ثان يأذن باللجوء إلى القوة).
لكن سرعان ما ظهرت الانقسامات حيث اختلفت أميركا وبريطانيا مع فرنسا على الاستخدام الأوتوماتيكي للقوة إذا جاء التفتيش في غير صالح العراق. وعندها زادت حدة الضغوطات الأميركية على المنظمة حيث تبنى الكونغرس قراراً يوم 12 أكتوبر/تشرين الأول يجيز الحرب على العراق حتى دون قرار من مجلس الأمن. وبعد مفاوضات صعبة تبنى مجلس الأمن القرار 1441 وبالإجماع يوم 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2002.
وكان هذا بالنسبة للمنظمة إنجازاً لأن بوش أراد قراراً يسمح له باللجوء مباشرة إلى القوة، فكان له قرار يحتم عليه انتظار عمل المفتشين الدوليين. وشرعت فيما بعد لجنة التفتيش الأممية بقيادة هانز بليكس، لكن واشنطن سعت للضغط على بليكس..
وسرعان ما برزت الخلافات بين أعضاء مجلس الأمن حول التعاطي مع الأزمة والتعامل مع لجنة التفتيش وتقاريرها، واشتد التعارض الفرنسي-الأميركي بداية من يناير/كانون الثاني 2003.
عارضت فرنسا تقديم مشروع قرار أميركي بريطاني جديد، وفي 10 فبراير/شباط اقترحت تدعيم نظام التفتيش عبر مشروع قرار رفضته أميركا. وفي 7 مارس/آذار قدمت أميركا وبريطانيا وإسبانيا مشروع قرار جديد يمنح مهلة 10 أيام (حتى 17 مارس) لبغداد لإقناع مجلس الأمن بتعاونها الكامل واللامشروط معه. في نفس اليوم أُعلم أنان بأن جنودا أميركيين بدؤوا في قطع الأسلاك على الحدود الكويتية العراقية على مرأى من المراقبين الدوليين التابعين للمنظمة. وعندها بدأ حساب الأصوات داخل مجلس الأمن.
رغم الضغوطات المختلفة على الأعضاء غير الدائمين في المجلس، فإن واشنطن لم تتمكن من ضمان الأغلبية (9 أصوات من أصل 15)، وفي نهاية الأمر لم يتم التصويت. أما فرنسا فعبرت صراحة يوم 10 مارس/آذار عن معارضتها خيار الحرب، وحينها صعَّد بوش من لهجته، وبعد مهلة لبغداد منح وحليفاه (بلير وأزنار) مهلة 24 ساعة لمجلس الأمن للموافقة على الحرب، ثم مهلة يومين لصدام وعائلته لمغادرة العراق. ولم يتحقق لا هذا ولا ذاك، فكانت الحرب على العراق يوم 20 مارس/آذار فغزوه واحتلاله.
يقول المؤلف إن الأزمة العراقية "كانت فشلاً مؤلماً بالنسبة للأمم المتحدة". أولاً لأن الدول الأعضاء لعبت الورقة الأممية علماً بأن المعركة محسومة مسبقاً، ذلك أن واشنطن كانت تريد الحرب وتحضر لها، وما كان بوسع المنظمة فعل أي شيء ماعدا تأخيرها بأشهر معدودة.
ثانياً، أن المنظمة ظهرت مرة أخرى عاجزة أمام أزمة تحولت إلى حرب. في 22 مايو/أيار أي شهرين بعد اندلاع الحرب، تمكنت أميركا وبريطانيا من استصدار -وتقريباً بالإجماع (سوريا كانت غائبة أثناء التصويت)- القرار 1483 الذي رفع العقوبات وترك "القوى المحتلة" للعراق تتصرف في ثاني احتياط نفطي في العالم.
أما فرنسا فتركت الأمم المتحدة تعترف بالأمر الواقع، أي بالتصرف الأحادي ببلد بعد غزوه العسكري دون الضوء الأخضر من المنظمة ودون أن تتولى الوصاية عليه. وقد عادت واشنطن من جديد إلى الأمم المتحدة لسببين: الصعوبات التي يواجهها الجيش الأميركي في العراق، وقرب الانتخابات الرئاسية الأميركية.
وقد بدأ هذا التغير في موقف واشنطن في صيف 2003. وهكذا فبعد أربعة أشهر من اندلاع الحرب، بدأت المنظمة تظن نفسها مجدية لأن الأميركيين بحاجة إليها، أو بالأحرى إلى أعضائها الأقوياء الذين تسعى واشنطن لكسب دعمهم.
بعدها يعود الكاتب قليلاً إلى الوراء، إلى لجان التفتيش الأممية في العراق، ويقول إن تطورات الأحداث وتشكيل لجنة جديدة خلفاً لليونسكوم والإجراءات والاحتياطات التي اتخذت في تشكيلها تعني أن الأمم المتحدة أعطت الحق لصدام -وإن كانت لم تعترف بذلك صراحة- لما كان يقول إن اليونسكوم تعمل لصالح أميركا وإن تقاريرها منحازة. ويسرد الكاتب بعض الوقائع عن ولاء اليونسكوم لأميركا على حساب الأمم المتحدة. بعدها يتطرق إلى بعض نشاطات ومشاكل المنظمة (عمليات حفظ السلام، إصلاح المنظمة، العجز المالي..).
هل يجب إلغاء الأمم المتحدة؟
في خاتمة كتابه يعود المؤلف إلى تساؤله الذي ورد في عنوان كتابه: هل يجب إلغاء الأمم المتحدة؟ ويقول إن عمل المنظمة فعال في المجال الإنساني فقط، وهذه المسألة ليست بالهينة، فلولا هذه المنظمة لكانت أفريقيا في وضع أسوء مما هو عليه اليوم.
في 2003 أعلنت الأمم المتحدة عن حاجتها إلى ثلاثة مليارات دولار لمواجهة الأزمات الإنسانية في 20 بلداً، 14 منها أفريقية. "لكن هذا الكرم لا يكفي للدفاع عن المنظمة التي ليست ملحقاً للصليب الأحمر الدولي".
عندما تخصص الدول مليار دولار سنوياً للتسلح و794 مليارا لعمل الأمم المتحدة لتقي الأجيال القادمة آفة الحرب، حينها قد تولد الأمم المتحدة من جديد
إن الأمم المتحدة فشلت في مهامها الأساسية، ويتساءل: ألا يجب إلغاؤها؟ ويقول إن هذا السؤال الاستفزازي جدير بأن يطرح. ألا يتعين تدمير كل شيء لإعادة البناء بشكل أحسن؟ ويلخص أبرز
استنتاجاته في:
1- النفوذ المتنامي لأميركا في المنظمة.
2- مجلس أمن أقرب من نادٍ لدول غنية ذات مزايا منه إلى هيئة ممثلة لعالم اليوم.
3- منظمة مكرسة للسلام لكنها تواجه صعوبات في التصدي للحرب.
4- أمين عام يتساءل إن كان يجب عليه أن يكون أميناً أم عاماً، أما نفوذه فأخلاقي أكثر مما هو سياسي، شكل من "بابا علماني".
5- منظمة تعاني باستمرار من تأخر أعضائها في دفع مساهماتهم في موازنتها.
وعليه يتساءل: هل يتعين الاستمرار؟ ألا يجب الانطلاق مجدداً من الصفر؟ ألا يتعين إصلاح الأمم المتحدة؟ ويرى أن إصلاحها يعني أساساً أن تأخذ الدول الأعضاء المنظمة محمل الجد وأن تتوقف عن توظيفها حسب مصلحتها القومية، "تغير كهذا قد يكون ثوريا".. أن يعدل ميثاق المنظمة.. أن يوسع مجلس الأمن لدول ممثلة لآسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.. أن ينسق بين عمل الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية.. أن توضع تحت تصرف المنظمة الإمكانات المالية اللازمة.
وحسب المعهد الدولي للبحث حول السلام فقد بلغت النفقات العسكرية العالمية 794 مليار دولار عام 2002، أي بمعدل 128 دولارا لكل نسمة في العالم. وعليه يختتم الكاتب بالقول إنه لما تخصص الدول مليار دولار سنوياً للتسلح و794 مليارا لعمل الأمم المتحدة لتقي الأجيال القادمة من آفة الحرب، فحينها قد تولد الأمم المتحدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ