رجل عاشق
كان يعمل في مشغله...حيث يصلح الآلات الموسيقية اعتاد هذا العمل...كان قد أسسه
هاهنا في هذه البلدة وأصبح دخله لا بأس به ...حياته مستقرة ناعمة...هادئة خالية
من الهموم...يستمتع بصحبة الصحاب...وبمظهر الفتيات اللواتي يلاطفنه دائما كان
يعجبه ذلك...هو بهي الطلعة ويدرك كنه إعجابهن به...أحيانا كان يقف معهن
يتسامرون ويضحكون...وكان لايمانع من ان يطبع على وجنة إحداهن قبلة او على يد
أخرى كان شعوراً يسره...ويضيف إلى رصيده معجبات أكثر وكان يسهر مع الرفاق
ويتحدثون عنهن وعن أمورهن وعن تصرفاتهم معهن وكانوا يضحكون لالشيء ولأي
شيء...لم يكن شيء يعكر صفوهم ...أيام الشباب لذيذة جداً...تكتفي فقط بتحسس
اللحظة التي تملكها دون ان تبالي او تفكر بأي شيء آخر...والحياة تسير
هكذا...يتسرب الوقت من بين أصابعنا ونحن نكتفي بأن نسخر منه ...لايهمنا
لايعذبنا بشيء...كان يسير كل صباح متجهاً إلى عمله من قرب منزلها ...معتمراً
قبعته مرتدياً معطفه كان بدء الشتاء ...حيث تبدأ النسمات الباردة... كان يخطو
في مسيره رافعاً قبعته محيياً لهذا ومحيياً لذاك ...يومئ برأسه مبتسماً للجميع
...استوقفته...أوقفه صوتها الطفولي...لم يلحظها من قبل أو يتنبه لها كانت تقف
عند بوابة المنزل التي يمر بجانبها كل صباح قالت له بأن لديها بيانو يحتاج
للإصلاح...أجابها انه سيأتي في المساء بطريق عودته ليتفحصه ...نعم تذكر كان
يسمع صباحاً عند مروره صوت ألحان عذبه تخرج من النافذة المقابلة ..حياها مودعا
مكملا طريقه الى العمل ...لم يكن يعرف مالذي حدث ذلك الصباح...كان يعمل قليلا
ثم لايلبث ان يتوقف هنيهة ويسترجعها بذاكرته ويسترجع صدى صوتها إلى مسامعه لم
يكترث كان كمن يشعر بألم مفاجئ في موضع معين من جسده ثم ما أن يذهب الألم حتى
ينساه كليا إلى ان يعاوده ثانية ...عند المساء وقف أمام بوابة منزلها لقد وعدها
بالقدوم...دخل الممر...إلى أن وصل للباب...طرقه...فتحت له...كانت مختلفة عن
الصباح أو هكذا بدت له....خلع القبعة عن رأسه احتراماً ...ابتسمت له وأفسحت له
المجال بالدخول كانت تسير أمامه وكان ينظر إلى شعرها المنسدل بتمعن إلى
خاصرتها الملتفة بشكل رائع في فستانها المخملي لم يكن يعرف مالذي يدفعه لذلك
كانت لديه رغبه في ان يرسمها كاملة في مخيلته سار صامتا إلى أن دخل إلى صالة
البيانو...بدأ يتفحصه كانت تنظر إليه بحنان وتبتسم بين الوقت والآخر ...كانت
ملامحها ناعمة ...وعينيها زرقاوتين هادئتين ...وخصلة من شعرها الذهبي تدلت على
جبهتها من الجهة اليمنى وجنتيها ممتلئتين يكسوهما لون خوخي ...كتفيها
المرمريتين المكشوفتين... ماأسعد النظر إليها!! أخذ يعمل ويختلس النظر بخجل لم
يعرف لماذا هذا الخجل لقد اعتاد النظر الى الكثير من الفتيات لكن شيئا ما فيها
كان مختلفا ..كان مضطربا ومرتبكا وهو يعمل ...شعوراً مزعجا لم يدري كيف جاءه
وكيف عليه ان يتخلص منه لكنه كان يمازجه رغبة قوية في البقاء فترة أطول عندها
...البيانو كان يحتاج لعمل أكثر ويومين آخرين...شعور بالسعادة عميق لهذه
النتيجة اخبرها انه سيعود غدا في نفس الموعد ليكمل العمل حيته مودعه خرج
مذهولاً من نفسه ...لماذا هذا الشعور؟ والرغبة في رؤيتها مجدداً؟! ...لماذا فقد
فجأة كل ثقافته ورغبته في الكلام وارتسم الخجل لأول مره في داخله لم ينم تلك
الليلة ...كان منزعجا لهذا حاول بكل جهده ان ينام.. لم يفلح...صورتها...مظهرها
أخذا يغزوانه بين اللحظة والأخرى ...